أبو سعد منصور بن الحسين الآبي
94
نثر الدر في المحاضرات
الأعشى « 1 » : [ السريع ] حكمتموه ، فقضى بينكم * أبلج مثل القمر الباهر لا يقبل الرّشوة في حكمه * ولا يبالي غبن الخاسر فقال المهتدي : أمّا أنت فأحسن اللّه جزاءك ، وأما شعر الأعشى فما رويته ، ولكني قرأت اليوم قبل خروجي إلى المجلس قول اللّه عزّ وجلّ : وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ ( 47 ) [ الأنبياء : الآية 47 ] فما بقي أحد في المجلس إلّا بكى . المعتمد « 2 » قال محمد بن عبيد اللّه بن يحيى بن خاقان : بعثني أبي إلى المعتمد في شيء ؛ فقال لي : اجلس . فاستعظمت ذلك ؛ فأعاد ، فاعتذرت بأنّ ذلك لا يجوز ؛ فقال لي : يا محمد ؛ إنّ أدبك في القبول مني خير من أدبك في خلافي . وقال يوما لبعض ندمائه : إذا عدم أهل التفضّل ، هلك أهل التجمّل . قال بعض جلسائه : كنّا بين يديه ليلة فحمّل عليه النبيذ ، فجعل يخفق نعاسا . وقال : لا تبرحوا أنتم ، ثم نام مقدار نصف ساعة ، وانتبه كأنه ما شرب شيئا ؛ فقال : أحضروني من الحبس رجلا يعرف بمنصور الجمّال . فأحضر ، فقال : مذ كم أنت محبوس ؟ فقال : مذ ثلاث سنين . قال : فأصدقني عن خبرك . قال : أنا رجل من أهل الموصل ، كان لي جمل أحمل عليه ، وأعود بأجرته على عيلتي ، فضاق المكسب بالموصل عليّ ؛ فقلت : أخرج إلى سرّ من
--> ( 1 ) البيتان في ديوان الأعشى ص 189 . ( 2 ) المعتمد على اللّه العباسي : هو أحمد بن المتوكل على اللّه ، ويعرف بابن فتيان ، ولد سنة 229 ه ، بويع له بالخلافة قبل خلع المهتدي بأيام ، سنة 256 ه ، طالت أيام ملكه ، وعاونه أخوه الموفق معاونة كبيرة على قهر أعدائه ، ثم استبد بالأمر ، توفي سنة 279 ه ( البداية والنهاية 11 / 71 ) .